الشيخ محمد رشيد رضا

149

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وجوه في العربية كلها جائزة فصيحة ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) أي فمن دفعته ضرورة المجاعة وفقد الحلال إلى أكل شيء من هذه المحرمات حال كونه غير باغ أي مريد لذلك قاصد له ولا متعد فيه قدر الضرورة فان ربك الذي لم يحرم ما ذكر إلا لضرره ، غفور رحيم فلا يؤاخذه بأكل ما يسد رمقه ويدفع به الهلاك عن نفسه . وقيل إن المراد بالباغي من يبغي على مضطر مثله فينزع منه ما هو مضطر اليه إيثارا لنفسه عليه . وهذا مما يعلم حظره من أدلة أخرى ، وقيل هو من يبغي على الإمام الحق ويخرج عليه . وهذه معصية لا دخل لها في حل الطعام وحرمته وظاهر الآية مع عطف ما حرم على بني إسرائيل عليها أن حصر محرمات الأطعمة في الأنواع الأربعة أصل من أصول شرائع جميع رسل اللّه تعالى والمعنى لا أجد فيما أوحي اليّ من أخبار الأنبياء وشرائعهم ولا فيما شرع على لساني ان اللّه حرم طعاما ما على طاعم ما يطعمه إلا هذه الأنواع الأربعة وما حرمه على اليهود تحريما موقتا عقوبة لهم وهو ما ذكر جملته أو أهمه في الآية التالية ودليل كونه موقتا ما في سورة آل عمران حكاية عن عيسى عليه السّلام ( وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ) وما سيأتي في سورة الأعراف فيمن يتبع خاتم المرسلين منهم « وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ » ودليل كونه عقوبة لا لذاته ما سيأتي وقوله تعالى ( كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ ) الآية وردت بصيغة الحصر القطعي فهي نص قطعي في حل ما عدا الأنواع الأربعة التي حصر التحريم بها فيها وقد بينا في تفسير آية المائدة أن المنخنقة والموقوذة والمتردية وأكيلة السبع اللاتي تموت بذلك ولا تدرك تذكيتها قبل الموت من نوع الميتة فهي تفصيل لها لا أنواع حرمت بعد ذلك حتى تعد ناسخة لآية الانعام . وتحريم الخبائث لا يدل على محرمات أخرى في الطعام غير هذه فيجعل ناسخا للحصر فيها فان لفظ الخبائث يشمل ما ليس من الأطعمة كالاقذار وأكل أموال الناس بالباطل وكل شيء ردئ قال تعالى ( وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ) فليس في الآن ناسخ لهذه الآية وما في معناها من الآيات المؤكدة لها ولا مخصص لعمومها وما يريد اللّه نسخه أو تخصيصه لا يجعله بصيغة الحصر المؤكدة كل هذا التأكيد الذي نشرحه بعد . ولكن ورد في الأحاديث تحريم الحمر الأهلية